السيد علي الشهرستاني
10
وضوء النبي ( ص )
وهذا الانقسام الفكري بين الصحابة كان من جملة الأسباب التي أدت لاختلاف المسلمين في الأحكام الشرعية بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد كان هذا الانقسام منطويا على علل أخرى سنتعرض لها في مطاوي البحث إن شاء الله تعالى . بلى ، إن دعاة الاجتهاد استدلوا على شرعية هذا الاختلاف بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( اختلاف أمتي رحمة ) ، لكن أحقا أن ( اختلاف أمتي رحمة ) بالمعنى الذي أريد أن يفسر به ؟ أم أن له معنى آخر ؟ ولو صح ذلك فكيف نفسر قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا تختلفوا فتهلكوا ) ، وقوله : ( ستفترق أمتي إلى نيف وسبعين فرقة ، فرقة ناجية والباقي في النار ) ؟ ولماذا يكون الاختلاف بين المسلمين إلى هذا الحد ، وكتابهم واحد ، ونبيهم واحد ؟ فترى هذا يسدل يديه في الصلاة والآخر يقبضهما ، والثاني يفرج بين رجليه في الصلاة والآخر يجمع بينهما ، وثالث يغسل رجليه في الوضوء والآخر يمسحهما ، ورابع يجهر بالبسملة والآخر لا ينطق بها مجهورة ، وهذا يقول بالتأمين وذلك لا يقول به ، والعجيب أنهم جميعا ينسبون أقوالهم وأفعالهم - على ما فيها من تضارب ظاهر - إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! أفيكون رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد قالها جميعا ، وفعلها جميعا ، وصح عنه النقلان - أو النقول كلها - كما يقولون ؟ ! أم أن فعله كان واحدا في كل هذه الحالات ؟ ! وإذا كان ذلك كذلك ، فمن أين جاء الاختلاف الذي يعسر دفعه وإنكاره ؟ ! أترانا مكلفين في شريعة الله أن نقف على الرأي الواحد ، أم أنا قد أمرنا بالاختلاف ؟ بل بم يمكن تفسير ظاهرة اختلاف النقل عن الصحابي الواحد ؟ ! ولم ظهرت رؤيتان في الشريعة ، إحداهما تدعو إلى التعددية ، والأخرى تنادي بالوحدوية ؟ ! فلو كانت التعددية هي مطلوب الشارع ، فلم حصر النبي ( صلى الله عليه وآله ) الفرقة الناجية من أمته بواحدة من الثلاث والسبعين وقال في الباقي أنها في النار ؟ ! ! ألم يلزمه ( صلى الله عليه وآله ) على التفسير السابق القول : الجميع ناجية وواحدة في النار ؟ ! ! -